يشهد الشارع العراقي في الآونة الأخيرة تحولاً جذرياً في ثقافة اقتناء المركبات، حيث بدأت السيارات الهجينة أو ما يعرف بـ “الهايبرد” تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام العائلات والشباب على حد سواء بعد عقود من الاعتماد الكلي على محركات البنزين التقليدية. يعود هذا التحول بشكل أساسي إلى التحديات الاقتصادية المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود “المحسن” و”السوبر”، فضلاً عن الرغبة في تقليل المصاريف التشغيلية للمركبة في ظل الازدحامات المرورية الخانقة التي تعاني منها المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة. إن فكرة الجمع بين محرك الاحتراق الداخلي والمحرك الكهربائي أصبحت تمثل الحل الأمثل للمواطن العادي الذي يبحث عن سيارة توفر له الراحة والتقنية الحديثة دون أن تستنزف ميزانيته الشهرية عند محطات التعبئة، خاصة وأن الأنظمة الهجينة تبرع في توفير الطاقة أثناء الوقوف المتكرر والسرعات المنخفضة داخل المدن المكتظة.
تكمن الميزة التنافسية الكبرى للسيارات الهجينة في العراق في كفاءتها الاستثنائية بقطع مسافات طويلة بكميات وقود ضئيلة جداً مقارنة بالسيارات التقليدية ذات المحركات الضخمة. فبينما تستهلك السيارات القديمة كميات مضاعفة من البنزين أثناء التوقف في الإشارات المرورية أو “سيطرات” التفتيش، تقوم المنظومة الهجينة بإطفاء محرك البنزين تلقائياً والاعتماد على الطاقة المخزنة في البطارية لتشغيل الأنظمة الأساسية والتحرك ببطء، مما يقلل الانبعاثات والضوضاء ويوفر المال بشكل مباشر. هذا التوفير لا يقتصر فقط على ثمن الوقود، بل يمتد ليشمل عمر المحرك نفسه الذي يعمل لساعات أقل بفضل المساعدة الكهربائية، وهو ما جعل موديلات مثل تويوتا كورولا وهوندا إلنترا الهجينة تتصدر قوائم البيع في معارض النهضة والمنصور ومناطق إقليم كردستان بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين.
وعلى الرغم من الفوائد الاقتصادية الواضحة، يظل هاجس الصيانة وتوفر قطع الغيار هو الشاغل الأكبر للمستهلك العراقي قبل اتخاذ قرار الشراء، خاصة فيما يتعلق بعمر البطارية وتأثرها بمناخ العراق الحار. الواقع يشير إلى أن مراكز الصيانة في العراق تطورت بشكل ملحوظ، حيث انتشرت الورش التخصصية التي تمتلك أجهزة فحص متطورة قادرة على تحديد كفاءة خلايا البطارية وإصلاحها جزئياً دون الحاجة لاستبدالها بالكامل بمبالغ طائلة. كما أن سوق “التفصيص” والقطع المستوردة وفر حلولاً بديلة بأسعار معقولة، مما بدد المخاوف القديمة حول صعوبة إصلاح هذه المنظومات المعقدة، وأصبح الميكانيكي العراقي اليوم يمتلك الخبرة الكافية للتعامل مع أنظمة التبريد الخاصة بالبطاريات لضمان عملها بكفاءة حتى في درجات حرارة تتجاوز الخمسين مئوية في فصل الصيف.
يمثل قطاع السيارات “الوارد الأمريكي” الرافد الأساسي للسوق العراقي بالمركبات الهجينة، وهو ما يفرض على المشتري ضرورة توخي الحذر الشديد وفحص تاريخ المركبة عبر تقارير “كارفاكس” قبل إتمام الصفقة. إن الكثير من هذه السيارات تصل بأسعار مغرية لأنها تعرضت لحوادث بسيطة أو غرق جزئي في بلد المنشأ، وهنا تكمن أهمية الفحص الفني الدقيق للتأكد من سلامة التوصيلات الكهربائية وحجرة البطارية من أي ترسبات ملحية أو أضرار قد تظهر لاحقاً. الذكاء في الشراء يقتضي اختيار السيارات التي تمتلك سجل صيانة جيداً ولم تتعرض لأضرار في منظومتها الهجينة تحديداً، لأن التوفير الذي قد يحصل عليه المشتري في سعر السيارة الابتدائي قد يضيع في إصلاحات معقدة إذا كانت المركبة تعاني من مشاكل في نظام الشحن أو المحول الكهربائي “الإنفيرتر”.
في الختام، يبدو أن مستقبل التنقل في العراق يتجه بقوة نحو الاعتماد على التكنولوجيا الهجينة كخطوة انتقالية ضرورية قبل الوصول إلى السيارات الكهربائية الكاملة التي لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية ومحطات الشحن. إن الاستثمار في سيارة هجينة اليوم ليس مجرد مواكبة للموضة العالمية، بل هو قرار مالي استراتيجي يحمي المستهلك من تقلبات أسعار النفط العالمية والسياسات السعرية المحلية للوقود. ومع استمرار نمو الوعي البيئي والتقني لدى الشباب العراقي، يتوقع أن تصبح هذه السيارات هي المعيار السائد في السنوات القادمة، مما سيسهم بشكل غير مباشر في تحسين جودة الهواء في المدن المزدحمة وتقليل الضغط على الطلب المحلي للمشتقات النفطية، لتتحول السيارة من عبء مالي إلى أداة توفير فعالة تخدم العائلة العراقية لسنوات طويلة.