يعاني المواطن العراقي منذ عقود من أزمة كهرباء مزمنة جعلت من “المولدة الأهلية” شريكاً إجبارياً في تفاصيل حياته اليومية، إلا أن العام الحالي شهد تحولاً جذرياً في التفكير نحو الاعتماد على الطاقة الشمسية كبديل استراتيجي ومستدام. لم يعد اقتناء منظومة طاقة شمسية مجرد ترف أو تجربة علمية، بل أصبح ضرورة اقتصادية ملحة للهروب من فواتير المولدات المرتفعة وضجيجها المستمر، فضلاً عن رغبة العائلات في الحصول على تيار كهربائي مستقر يحمي الأجهزة المنزلية الحساسة من تذبذب الفولتية. إن التطور الكبير في كفاءة الألواح وقدرتها على العمل في درجات الحرارة المرتفعة التي يمتاز بها الصيف العراقي، جعل من هذه التكنولوجيا حلاً واقعياً يمكنه تشغيل الأحمال الثقيلة مثل أجهزة التكييف “السبلت” إذا ما تم تصميم المنظومة بشكل علمي دقيق يتناسب مع ساعات الذروة المشمسمة التي تفيض بها سماء العراق طوال العام.
تعتمد جدوى الاستثمار في الطاقة الشمسية داخل العراق على فهم دقيق للمكونات الأساسية التي تضمن استمرارية الخدمة خلال ساعات الليل أو الأيام الغائمة، حيث تمثل البطاريات القلب النابض لهذه المنظومات. في السابق، كانت البطاريات “الجيل” هي الخيار الشائع، لكن التوجه الحالي في الأسواق العراقية يميل وبقوة نحو بطاريات “الليثيوم” التي تمتاز بعمر افتراضي طويل يصل إلى عشر سنوات وقدرة عالية على التفريغ العميق دون فقدان الكفاءة. ورغم أن التكلفة الابتدائية لمنظومة الليثيوم قد تبدو مرتفعة للمستهلك العادي، إلا أن حسابات الربح والخسارة على المدى البعيد تؤكد أنها توفر مبالغ طائلة كانت ستنفق على استبدال البطاريات التقليدية كل عامين أو على دفع اشتراكات المولدات التي لا تتوقف أسعارها عن الصعود، مما يجعل استرداد رأس المال المستثمر في المنظومة ممكناً خلال ثلاث إلى خمس سنوات فقط.
يلعب العاكس الذكي أو ما يعرف بـ “الإنفيرتر” دوراً محورياً في نجاح تجربة الطاقة الشمسية في البيوت العراقية، فهو المسؤول عن إدارة عملية التحويل بين الطاقة القادمة من الألواح والكهرباء الوطنية والمولدة والبطاريات بشكل آلي وسلس. التقنيات الحديثة المتوفرة الآن في بغداد وأربيل والبصرة تتيح للمستخدم مراقبة إنتاج واستهلاك منزله عبر تطبيقات الهاتف المحمول، مما يعزز من ثقافة ترشيد الاستهلاك وتوزيع الأحمال بذكاء بين ساعات النهار والليل. هذا الوعي التقني يساهم في إطالة عمر المنظومة ويقلل من الحاجة للصيانة الدورية، حيث يمكن للعاكس الذكي حماية المنزل من الصعقات الكهربائية المفاجئة الناتجة عن خلل في شبكة الكهرباء الوطنية، وهو ما يضيف ميزة “الأمان” إلى قائمة فوائد الطاقة المتجددة التي يطمح لها رب الأسرة العراقي.
من الناحية التمويلية، بدأت المصارف العراقية وبدعم من مبادرات البنك المركزي بتقديم قروض ميسرة لدعم شراء منظومات الطاقة المتجددة، مما فتح الباب أمام الطبقة المتوسطة لامتلاك هذه التقنية دون الحاجة لادخار مبالغ كبيرة مقدماً. هذه القروض التي تمتاز بفوائد ضئيلة وفترات سداد مريحة ساهمت في انتعاش سوق الطاقة الشمسية وزيادة عدد الشركات المتخصصة التي تقدم خدمات التركيب والضمان الحقيقي. ومع ذلك، يجب على المستهلك الحذر عند اختيار الشركة المنفذة، والتركيز على الشركات التي تمتلك كوادراً هندسية قادرة على حساب الزوايا الصحيحة لنصب الألواح لضمان أقصى امتصاص للأشعة، خاصة وأن الغبار والحرارة في البيئة العراقية يتطلبان تصميمات خاصة تضمن سهولة التنظيف والتهوية المستمرة للألواح والبطاريات لضمان أعلى أداء ممكن.
في الختام، يمثل الانتقال نحو الطاقة الشمسية في العراق خطوة جبارة نحو الاستقلال الطاقي للفرد وتقليل الضغط الهائل على شبكة الكهرباء المتهالكة، وهو مسار ينسجم مع التوجهات العالمية لحماية البيئة وتقليل الانبعاثات الكربونية. إن النجاح في هذا التحول لا يتوقف فقط على شراء المعدات، بل على تغيير الأنماط الاستهلاكية والتعامل مع الكهرباء كمورد ثمين يجب إدارته بذكاء. ومع استمرار انخفاض أسعار الألواح عالمياً وتزايد الخبرات المحلية في التنصيب والصيانة، سيصبح مشهد الأسطح المغطاة بالخلايا الشمسية هو المظهر السائد في الأحياء العراقية، لتنتهي تدريجياً حقبة الأسلاك المتشابكة والمولدات الملوثة، ويحل محلها هدوء الطاقة النظيفة التي توفر الراحة والرفاهية للمواطن دون إثقال كاهله بمصاريف لا تنتهي، مما يعيد تشكيل اقتصاديات الأسرة العراقية نحو مستقبل أكثر استقراراً وإشراقاً.